الشيخ عباس القمي
116
سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار
المنازل فرأيت رجلا طويلا خفيف العارضين منحنيا من الكبر وقد اجتمع عليه الناس ، فقلت له : حدّثني ( رحمك اللّه ) فاني أتيتك من بلد بعيد أسمع منك ، فلم يحدّثني من الزحمة التي كانت عليه ، ثمّ رحل وتبعته إلى المرحلة الأخرى ، فلمّا نزل أتيته فقلت له : حدّثني ( رحمك اللّه تعالى ) ، قال : أنت صاحبي بالأمس ؟ قلت : نعم ، قال : اذن واللّه لا أحدثك إلّا قائما لما بدا مني إليك ، لأنّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم يقول : من كان عنده علم فكتمه ألجمه اللّه يوم القيامة بلجام من نار ، ثم قام قائما وقال : كنت رأيت مولاي أنس بن مالك وهو معصّب بعصابة بيضاء ، فقلت : وما هذه العصابة ؟ قال : هذه دعوة عليّ بن أبي طالب عليه السّلام ، ثمّ ذكر خبر الطير المشوي ودعاء أمير المؤمنين عليه السّلام : « اللّهم ارم أنسا بوضح لا يستره من الناس » « 1 » . أقول : ذكر ابن عبد البرّ الأندلسي المتوفّي سنة ( 463 ) في مختصر جامع بيان العلم وفضله في باب ذكر الرحلة في طلب العلم عن جابر بن عبد اللّه رحمه اللّه قال : بلغني حديث عن رجل من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم فابتعت بعيرا فشددت عليه رحلي ثمّ سرت إليه شهرا حتّى قدمت الشام ، فإذا عبد اللّه بن أنيس الأنصاري « 2 » ، فأتيت منزله وأرسلت إليه انّ جابرا على الباب ، فرجع إليّ الرسول فقال : جابر بن عبد اللّه ؟ فقلت : نعم ، فخرج إليّ فاعتنقته واعتنقني ، قال : قلت : حديث بلغني عنك انّك سمعته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم في المظالم لم أسمعه أنا منه ، قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم يقول : يحشر اللّه ( تبارك وتعالى ) العباد ، الحديث . ونقل أيضا ابن عبد البر عن عطا : أنّ أبا أيوب رحل إلى عقبة بن عامر ، فلمّا قدم مصرا خبروا عقبة فخرج إليه ، قال : حديث سمعته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم لم يبق أحد سمعه غيرك ، قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم يقول : من ستر مؤمنا على خزية ستر اللّه عليه يوم القيامة ، قال : فأتى أبو أيّوب راحلته فركبها وانصرف إلى المدينة وما
--> ( 1 ) ق : 14 / 40 / 363 ، ج : 60 / 300 . ( 2 ) وهو الجهني الصحابيّ الجليل ، شهد العقبة وأحد ، مات سنة 54 ( منه مد ظله ) .